سموم الشركات النفطية "تقتل" سكان الأغواط في صمت

Publié le par LAGHOUATI

 
Source: El-Bilad
 

سموم الشركات النفطية "تقتل" سكان الأغواط في صمت

"البلاد" تروي الخقائق المسكوت عنها
آخر تحديث : 19:39 | 2015-03-04

الكاتب : تحقيق: حكيم بدران
 
 
بقايا زيوت "الأسكاريل" الخطيرة تهدد بكارثة إنسانية
كثر الحديث هذه الأيام بولاية الأغواط عن تزايد عدد حالات داء السرطان وربط أسبابها الافتراضية بظاهرة تسرب بقايا زيوت الاسكاريل الخطيرة إلى المياه الجوفية، مما جعل العديد من الجمعيات والمهتمين بالشق الصحي والبئوي يعجلون بتحسيس الجهات المكلفة بخطورة الوضع، وتأكيدهم على ضرورة فتح تحقيق وبائي لتشخيص ما يخشون أن يكون، في ظل شح المعطيات العلمية وتهرب أصحاب الحل والربط، من إعطاء أجوبة مقنعة عن  الاستفسارات التي تشغل بال المجتمع الأغواطي منذ عشريتين من الزمن.
ولتسليط الضوء على هذا الموضوع الحساس ارتات "البلاد" وبشكل حصري، أن تتوغل داخل أسوار المستودع المحروس الذي يحوي بقايا زيوت الأسكاريل، وتتمكن عبر الصورة والشهادات الحية، من الظفر ببعض التصريحات المثيرة لضحايا ذنبهم الوحيد أنهم كانوا يبحثون عن لقمة العيش، فوجدوا أنفسهم يتخبطون بين أنياب الموت البطيء ومتاهات مستنقع الخطر دون أن يكون لهم علم مسبق بعواقبه الوخيمة التي قضت على طموحاتهم المستقبلية مقابل تقاضيهم راتبا شهريا لا يتجاوز تسعة آلاف دينار في أحسن الأحوال

.
الرحلة باتجاه مستودع الخطر...
على بعد حوالي 50 كلم عن عاصمة الولاية، وبالتحديد بالمنطقة المسماة "برج نيلي" الواقعة بمحاذاة الطريق الوطني رقم واحد الرابط بين الأغواط وغرداية مرورا بالمدينة الجديدة بليل بحاسي الرمل التي تعد أقرب نقطة من منطقة الخطر، يقع مستودع "زيوت الأسكاريل" الذي أنشئ سنة 1985 على مساحة تقدر بحوالي هكتارين من أجل حفظ المئات من البراميل والمحولات الكهربائية، غير أنه في سنة 2004 تداركت وزارة القطاع تحت الضغط الذي كان مفروضا عليها آنذاك من قبل ممثلي الشعب والجمعيات المهتمة بالمحافظة على المحيط والبيئة، للأخطار المتوقعة والناجمة، عن تسربات المخلفات الصناعية الخطيرة التي تضر بالبيئة والمحيط العام، فقامت في السنة نفسها بإبرام اتفاقية مع مؤسسة فرنسية لتحويل الزيوت التي كثر عنها الحديث إلى منطقة نائية من عمق الصحراء الجزائرية، ظنا من الجميع أنه تم محو وإزالة كل الآثار السلبية الناجمة عنها، غير أن الحقيقة الموثقة بالأدلة عكس ذلك تماما
.
المفاجأة.. بقايا من الزيوت المغمورة في التربة ومحولات تنتظر نقلها
بمجرد الدخول للمستودع الذي يحتوي على أربعة أبراج أنشأت آنذاك لتمكين أعوان الحرس البلدي من القيام بمهام الحراسة، تصادفك المئات من البراميل المكدسة والأخرى التي يبدو أنها تآكلت مع الزمن وتسربات الزيوت بادية على سطحها بعدما امتزجت بالقشرة الأرضية وشكلت بقعا زيتية قد تكون لها حكاية مع الزمن الغابر. ومن  ناحية أخرى يتفاجأ الإنسان حينما يشاهد قارورات من السائل الممنوع من التسويق والاستيراد، لاتزال مختومة بعلامات محذرة، والأدهى من ذلك وجود بقايا من المحولات الكهربائية الحاملة للآثار السلبية بمكانها المعتاد. 
"البلاد" وبعد جولة قادتها لتفحص المكان المفخخ إن صح التعبير، اقتربت من الذين عاشوا ولا يزالون يتجرعون مرارة المرض وهضم الحقوق المعنوية والمادية وأقلها التغطية الصحية التي كلفتهم مصاريف إضافية هم في غنى عنها.
شهادات حراس تحولوا من أقوياء البنية إلى كهول وشيوخ قبل الأوان مقابل 9000 دينار شهريا
يقول الحاج الطاهر بن عيسى الذي لا يزال إلى غاية اليوم، يداوم على الحراسة اضطراريا لتوفير لقمة العيش لأبنائه، مقابل 9 آلاف دينار  شهريا من بلدية حاسي الرمل "التحقت بحراسة المستودع على غرار عدد كبير من أعوان الحرس البلدي المقدر عددهم آنذاك بـ200 عون، دون إعلامنا المسبق بخطورة هذه المخلفات الصناعية، وبقينا نعمل لسنوات طويلة بعيدا عن اتباع المقاييس الوقائية المعمول بها، كاستعمال الوسائل التي تحمينا من التعرض لخطر الإشعاعات التي تنقل بالخصوص عبر الهواء، لاسيما أن منطقة وادي نيلي، تقع برواق مفتوح على هبوب الرياح والزوابع الرملية الهوجاء، وبالخصوص أثناء استعمال الصهاريج للتدفئة أوقات الشتاء، مما ينتج عنها رائحة كريهة كنا نجهل مصدرها السام، ومع الوقت بدأت تظهر على جسمي كغيري من زملائي في العمل، منهم من قضى نحبه بسبب داء السرطان، وآخرون مازالوا يواجهون مصيرهم المجهول، أعراض الحساسية وتشوهات جلدية، جعلت حالتي الصحية تتفاقم مع الوقت، وأصبحت رهين العلاج بمختلف المؤسسات الاستشفائية والعيادات الخاصة التي كلفتني مصاريف كثيرة. وهي التصريحات والشهادات الموثقة التي جاءت على لسان ضحايا زيوت الأسكاريل، أمثال لقلوق منصور من بلدية بن ناصر بن شهرة، حشاشنة السعيد من الأغواط، النمر العربي من بليل، وبن زايط سليمان من آفلو، غزال سليمان من حاسي الدلاعة، والقائمة طويلة حمّل أصحابها المسؤولية للجهات التي خدعتهم بالأمس وأهملت مطالبهم اليوم في توفير الرعاية الصحية وتعويضهم ماديا عن سنوات الحرمان والشقاء الطويلة إبان العشرية السوداء.
 
حتى المواشي لم تسلم من الخطر فكان مصيرها النفوق
أفاد موال ضحية المدعو بن عيسى بروبة بأن العديد من الموالين تكبدوا خسائرا جسيمة بنفوق مواشيهم وجمالهم بسبب استعمال الصهاريج في عملية السقي، حيث نتفاجأ من حين لآخر بانتفاخ بطن الشاة ثم سقوطها أرضا وعلى فمها دماء، وطبعا لم يكن بوسعنا آنذاك الاتصال بالبياطرة بل كانت المهمة جد صعبة، لذلك كنا نلجأ إلى الطرق التقليدية ونسلم أمرنا لله، ولو كنا نعلم حقيقية  خطورة تلك الصهاريج، لما أخذناها من أعوان الحرس البلدي.  
 
احتجاجات ونداءات لطلب التعويض والرعاية الصحية لم تلق آذانا صاغية
لم يجد أمثال هؤلاء الضحايا الذين وجدوا أنفسهم يعيشون هاجسا خشية  أن يكون مصيرهم الموت البطيء كباقي زملائهم، لاسيما بعد تبين موت أحدهم بالمرض القاتل، سوى التصعيد من لغة احتجاجاتهم أمام مقر الولاية ومديرية البيئة وحتى بالساحات العمومية، لعل صوتهم يصل إلى أعلى الجهات المسؤولة، لإنصافهم مما وصف بالظلم المسلط عليهم، ليستقر بهم المطاف مؤخرا بتسليم قضيتهم إلى محام لدى مجلس قضاء الأغواط معتمد لدى المحكمة العليا، لعله يتمكن من انتزاع حق مشروع لحادثة جائرة افتعلها مسؤولون آنذاك...
 
الخبير القضائي حناشي يؤكد خطورة ما تبقى من مخلفات صناعية ويطالب بالإسراع في إزالتها  

أكد الخبير القضائي معمور حناشي في لقائه مع "البلاد" أنه من خلال دراسته التقنية المعمقة لجميع الجوانب البيئية، التي تشمل بقايا مستودع زيوت الأسكاريل ومخلفات المحولات الكهربائية، التي لم تتخلص منها بعض المؤسسات الاقتصادية الناشطة في قطاع المحروقات بمدينة حاسي الرمل الصناعية، أكد أن الوضع يشكل خطورة تستهدف الصحة العمومية والمياه الجوفية والحيوان، ويكفي أن الهواء المستنشق والمحمل بزوابع  رملية والرياح القوية يفعل فعلته  دون الشعور بذلك. وأضاف أنه من أجل التصدي لهذه الظاهرة البيئية الخطيرة، قمنا بالتنسيق مع بعض المختصين في الميدان بعرض مشروع بيئي وقائي يتبنى طريقة علمية مدروسة لإزالة ما تبقى من مخلفات صناعية، غير أن مساعينا لحد اليوم لم تكلل بأي نتيجة، بعد ما طرقنا أبواب والي الولاية ورئيس بلدية حاسي الرمل والمصالح المكلفة بالبيئة، لعل من وراء ذلك استجابة لمحو الآثار السلبية المترتبة عن بقايا زيوت الأسكاريل. وإلى اليوم مازلنا ننتظر إمكانية الاتصال بنا، مع التزامنا بتقديم ضمانات علمية مسبقة لنجاح المهمة الوقائية.
 
مدير مؤسسة إنتاج الكهرباء بحاسي الرمل يفند كل الشائعات
كذب محمد مزغيش مدير مؤسسة إنتاج الكهرباء بحاسي الرمل، في الحوار الذي أجرته معه "البلاد"، ما جاء على لسان البعض حول خطورة المحولين الكهربائيين المتواجدين داخل إقليم المؤسسة، مؤكدا أن مصالحه قامت فيما سبق باتباع طرق علمية حديثة مكنت الفريق التقني من إفراغ الزيوت السامة، من قاع المحولات الكهربائية، وتعويضها بزيت عادي، ضمانا لديمومة وسائل الإنتاج، غير أنه تم خلال السنوات الأخيرة التخلص من أربعة محولات وعزلها في مكان بعيد عن محيط المؤسسة، في انتظار دور الاثنين المتبقيين، بعدما تم عزلهما في مكان آمن وبعيد كل البعد عن تشكيل أي خطورة على صحة العمال، بشهادة التقنيين والمهندسين في الميدان، مشيرا إلى مبادرة مديرية البيئة بالأغواط من أجل تنظيم مناقصة وطنية لإزالة كل الآثار السلبية موضوع القيل والقال.
 
مدير البيئة بالأغواط يقلل من حجم الكارثة ويؤكد القيام بحملة واسعة لتنظيف بؤر الخطر
لم ينف مدير البيئة بالأغواط خطورة بقايا المخلفات الصناعية وبالخصوص في منطقة نيلي، وأكد في هذا الشأن أن مصالحه بصدد الإعلان عن مناقصة وطنية، للقضاء نهائيا على ما تبقى من نفايات صناعية عن طريق القيام بإحصاء شامل لمختلف المحولات الكهربائية المترامية الأطراف، بحدود الشركات الاقتصادية الناشطة بقطاع المحروقات بحاسي الرمل، بما في ذلك محتوى النقطة السوداء بمستودع وادي نيلي بما يضمن القضاء على أي شكوك تمس بالصحة العمومية والثروة الحيوانية والبيئة، باتباع طرق علمية كتلك التي طبقت في سنوات التسعينيات من قبل إحدى الشركات الأجنبية.
 
مطالب جمعوية وشبانية بفتح تحقيق حول ارتفاع نسبة داء السرطان في الأغواط
دق العديد من المهتمين بالصحة العمومية والبيئة بالأغواط، ناقوس الخطر إثر تزايد معدل الإصابة بداء السرطان لاسيما في أوساط النساء، وتموقع الولاية في المراتب الأولى وطنيا التي تعاني من هذه الظاهرة الخطيرة. وقد ربط هؤلاء خطورة الوضع المتفشي بمسألة تسرب بقايا زيوت الأسكاريل التي لم تحفظ بشكل جيد، إلى المياه الجوفية وبالتالي تسببها في أمراض فتاكة، مطالبين وزارة البيئة بفتح تحقيق لمعرفة  المسببات التي جعلت ولايتهم تسجل أرقاما قياسية.
 

Commenter cet article